
| |||||||
| مــــشــــهـــد عـــلـــوم اللغة نحو- صرف -بلاغة-عـــــروض |
![]() |
| | LinkBack | أدوات الموضوع |
| | [1 (permalink)] | ||||||
| |||||||
| نظرية النظم عند عبد القادر وعلاقتها بالصورة الشعرية الدكتور/عمرمحمدالطالب كلية التربية - جامعة الموصل الموصل – العراق هذ الموضوع يكتسي أهمية بالغة في موضوع الصورة الشعرية و اشكالاتها و قد ارتأيت أن أضعه على حلقات لتعم الفائدة النظم والصورة الشعرية شكلت الصورة عنصرا مهما من عناصر العمل الأدبي، وقد ورد معنى كلمة الصورة في لسان العرب أنها :"ترد في كلام العرب على ظاهرها،وعلى معنى حقيقة الشيء وهيئته، وعلى معنى صفته، في أسماء الله تعلى، المصور، الذي صور جميع الموجودات ورتبها، فأعطى كل شيء منها صورة خاصة، وهيئة مفردة متميزة، يتميزبها على اختلافها وكثرتها" (1) وجاء في تاج العروس: "الصورة بالضم، الشكل والهيئة والحقيقة، وقال ابن الأثير: الصورة ترد في كلام العرب على ظاهرها، وعلى معنى حقيقة الشيئ وهيئته، وعلى معنى صفته، قال:صورة الفعل كذا, أي هيئته"(2) الصورة صيغة جزئية تتشكل في العقل لِخَزن تَمثٌل الذات لجزئيات الواقع الموضوعي، فهي نسيج عقلي، مادته انفعالات الذات الشاعرة مع الموضوع, أي انفعال الداخل مع الخارج، وعلى هذا يمكن عدها" خزانا صغيرا يحتقب كلا من التصورات الذهنية والتفاعلات النفسية المتخارجة, أي رؤية الداخل للخارج من جهة ،واستجابة لهذا الخارج من جهة أخرى"(3) يمتازالأسلوب الشعري باستخدامه أشكالا من التعبيرالمتخيل قصد إيصال الفكر والعواطف، وبهذا يكاد اعتماده على الصورة يكون كليا في نقل هذه الإحساسات ولانفعالات،وذالك من خلال لإيحاء بها، لامن خلال التعبير المباشر عنها. والصورة الشعرية تركيبية لغوية، تصور معنى عقليا وعاطفيا متخيلا لعلاقة بين شيئين، ولا تقف الصورة الشعرية عند نقل التجربة الحسية للشاعر، بل تتعداه الى نقل انفعالاته ومشاعره الداخلية ، ومعنى ذالك أن للصورة الشعرية مستويين من الفاعلية، المستوى الدلالي، والمستوى النفسي، وتكتسب الصورة حيويتها من مدى الارتباط والانسجام بين المستويين، يقول كمال ابوديب: "ان للصورة مستويين من الفاعلية، هما المستوى النفسي والمستوى الدلالي، أو الوظيفة النفسية والوظيفة المعنوية. إن حيوية الصورة وقدرتها على الكشف والإثراء، وتفجير بعد تلو بعد من الإيحاءات في الذات المتلقية، يرتبطان بالاتساق والانسجام، اللذين يتحققان بين هذين المستويين للصورة، الصورة بهذا التحديد قد تخفق في الكشف، وتتحول دلالتها إلى عنصر سلبي، إذا بلغ الافتراق بين هذين المستويين درجة معينة من الحدة"(4) والمقصود بالمستوى الدلالي كون الصورة تركيبية لغوية، تنقل معنى، وبالمستوى النفسي كونها تنقل إحساسات وانفعالات، وتفجر مكبوتات لاشعورية، لذالك أولى علم النفس الصورة أهمية بالغة. ويحدد معجم مصطلحات التحليل النفسي للصورة بأنها"عرفت الهوامية غالبا كتصور واع... ويمكن أن تتجسد الصورة الهوامية في مشاعر، أوتصور كما تتجسد في بعض الصور سواء بسواء، ولا بد أن نضيف أنه (يجب أن لا تفهم بوصفها انعكاسا محضا) للواقع حتى ولو تفاوت في درجة تحويره"(5). فالصورة إذا آلية لغوية ذات فعالية مزدوجة نفسية ودلالية، يستخدمها الأديب قصد التأثير في الملتقى، ولا يتسنى له ذالك إلا إذا استطاع بمهارته وبراعته أن يمازج بين الوظيفتين الدلالية والنفسية، فهي "إعادة إنتاج عقلية، ذكرى لتجربة عاطفية أو إدراكية غابرة، ليست بالضرورة بصرية"(6). ويرى نصرت عبد الرحمن أن المعاني في الشعر تتصور في عدة أنواع من الصور: 1- الصورة التقريرية:وهي الصورة التي لا تحتوي تشبيها أو مجازا، وهذه الصرة ليست عملية تذكر، بل هي عملية حضور لتجسيم المعنى. 2- الصرة التشبيهية: وهي الصورة التي يتجسم فيها المعنى على هيئة علاقة بين حدثين. 3- الرمز الأيقوني: وهي الصورة التي تدل على صورة مادية، بينهما علاقة تشابه،وتحمل الصورة المادية معنى. 4- الاستعارة: ويبدو أنها وكبت البشرية من الاعتقاد الى المجاز. 5- الرمز غير الأيقوني: يقوم بتجسيم التصور في مادة، دون أن يكون في المادة علاقة تشبيهية أو استعارية، فنحن أمام رمز غير أيقوني، فهو علاقة باطنية خارجية، وهو لا يعود إلى مادة ومعنى كالرمز الأيقوني، بل يعود إلى معنى فقط. 6- الكناية: وتبدو أنها أخف من الرمز، فهي ضرب من الإشارة، وتكاد الإشارة أن تصبح لغة عصرية(7)وإذا كانت الصورة الأدبية استرجاع حسي لمحسوس، فإنه يمكن إرجاعها إلى أنماط متعددة، كالصورة البصرية والسمعية والذوقية والعضوية والحركية، وكل نمط من هذه الأنماط ينقسم يدوره إلى أقسام متعددة، فتصنيفات علماء النفس وعلماء الجمال متعددة في هذا المجال، ولا تزال الأبحاث تبين مدى انفعال الذات بعالم المحسوسات، تلك الانفعالات المتجددة بتجدد العلاقة بين الإنسان والكون. إن هذه العلاقة هي التي تشحن الصورة بثقلها الوجداني،لأكن هذا الثقل يختلف بين إنسان وآخر حسب اختلاف البيئة والثقافة والعصر، مما يجعل فاعلية الصورة مختلفة، فالصورة التي يقابلها العربي ببرود قد يجدها الأوربي شحنة حيوية مثيرة. وتتشكل الصورة ابتغاء إحداث الأثر في وعي الملتقى، أي إنها تحقق الفاعلية الوجدانية والخيالية في النفس، ولعل"من العسير علينا أن نفصل بين الصورة وبين فاعليتها، فالصورة كالمادة تحمل طاقتها في داخلها"(8)، وتكون فاعلية الصورة أكبر كلما كانت قدرتها على تنشيط الإحساسات أعظم، فالصورة تنشط الإحساسات، وتثير الخيال، وتفجر العاطفة تفجيرا غير إرادي، الأنها تمثل الموضوع داخل الذات، فتغدو "مرآة تقتضي فيها الحاجة التي يتمثلها الشعور"و لا يقدم الشعور صورة عن حالتنا الراهنة فحسب ، بل ينمو إلى تحقيق الحاجة أو رد النقص في مقومات الوجود. و قد يعز أحيانا إدراك المضمون الشعوري للصورة الأدبية لإختفائه بسبب اعتماد الصورة في تكوينها على اللاشعور و في "هذه الحالة يكون من الخطأ التعامل مع الصورة على أساس دلالتها الظاهرة المباشرة و يتحتم بذل الجهود لاستكناهها " حيث تؤدي عملية التكثيف اللاشعوري إلى ظهور صور مكثفة لا ترد إلى مقومات الواقع و تكون أكثر أغراقا في الذاتية .. الهوامش 1- لسان العرب - مادة صور 2- تاج العروس : 343 3- مقالات في الشعر الجاهلي :298 4- جدلية الخفاء و التجلي :22 5- معجم مصطلحات التحليل النفسي :307 6- نظرية الأدب :194 7- الصورة الفنية في الشعرالجاهلي :70 8-مقالات في الشعر الجاهلي :316 للمقال بقية بحول الله التعديل الأخير تم بواسطة محمد ولد افاه ; 2008-12-Fri الساعة 07:22 PM | |||||||
| |||||||
| | [3 (permalink)] | ||||||
| مشاهد جديد ![]() |
فشبّه فتكه بالمال وبالعدا، وذالك صورة مرئية، بفتك الصبابة، وهو فتكٌ معنوي، وهذا القسم ألطف الأقسام الأربعة؛ لأنه نقل صورة إلى غير صورة"(27). وقد أورد ابن المعتز لفظة (صورة) في بعض أبياته، بمعناها المعجمي؛ أي المقابل لهيئة الشيء ودالّته كقوله 28)
الحواشي 11 – مقالات في الشعر الجاهلي: 35. 12 – الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي: 373. 13 – نظرية الأدب: 241. 14 – المرجع السابق: 241. 15 – الصورة الفنية: 45. 16 – نظرات جديدة في الفن الشعري: 41. 17 – الصورة الأدبية: 44. 18 – الصورة الفنية: 313. 19 – الصورة الأدبية: 13. 20 – المرجع السابق: 14. 21 – التفسير النفسي للأدب: 153. 22 – المرجع السابق: 159. 23 – ينظر: في النقد الحديث. 24 – جدلية الخفاء والتجلّي: 19. 25 – الحيوان: 3/131. 26 – العمدة: 127. 27 – المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر: 2/136. 28 – ديوان ابن المعتز: 1/ 350 – 351. للمقال بقية بحول الله | ||||||
| | |
| | [6 (permalink)] |
| مشاهد جديد ![]() | الصورة عند عبد القاهر إنّ مصطلح الصورة لا يستعمل عند عبد القاهر استعمالاً موحّدًا، بل نراه مرة يُستعمل للدلالة على الشكل العام لصياغة الكلام، وأخرى للدلالة على التقديم الحسِّي للمعنى، فالمصطلح "يحمل في طيّاته الدلالة على الصورة والشكل في الوقت نفسه"(29). يقول عبد القاهر: "وجملة الأمر أنه لا يكون ترتيب شيءٍ حتى يكون هناك قصده إلى صورة وصفه، إن لم يقدّم فيه ما قدّم، ولم يؤخّر فيه ما أخّر، وبدأ بالذي ثنّى به، أو ثنّى بالذي ثلث به، لم تحصل لك تلك الصورة وتلك الصفة"(30)، ويقول في موضعٍ آخر: "هذا كلامٌ وجيز يطّلع به الناظر على أصول النحو جملةً، وكلّ ما به يكون النظم دفعة، وينظر فيه في مرآةٍ تريه الأشياء المتباعدة الأمكنة قد التقت له حتى رآها في مكانٍ واحد، ويرى بها مُشئمًا قد ضُمّ إلى مُعرٍق ومغرِّبًا قد أخذ بيد مُشَرِّق"(31). ولم يكن هذا المصطلح من ابتداعه، فقد سبقه إليه آخرون – كما بيّنّا سابقًا – ويقول عبد القاهر في هذا الصدد: "وليس العبارة من ذلك بالصورة شيئًا نحن ابتدأ ناه، فينكره منكر، بل هو مستعمل مشهور في كلام العلماء، ويكفيك قول الجاحظ: وأما الشعر فهو صناعة وضرب من التصوير"(32). والصورة عند عبد القاهر: "تمثيل وقياس لما نعلمه بعقولنا على الذي نراه بأبصارنا"(33). فإذا كان التباين بين الأشياء في الطبيعة إنما تكون في الصور المختلفة، التي تتخذها تلك الأشياء، فالأمر يختلف بالنسبة للمعاني. فالتباين بين المعاني في أبيات الشعر المختلفة راجعٌ إلى الاختلاف بين الصور التي تتخذها المعاني في تلك الأبيات المختلفة. فقد جعل الجرجاني مناط الفضيلة في الكلام راجع إلى الصورة التي يرسمها النظم، تلك الصورة " التي ارتسمت في نفس المتكلّم بأصباغ العلاقات بين معاني الكلم التي رتّبت في النفس ترتيبًا خاضعًا لتلك العلاقات"(34)، فإذا كان النظم يهدف إلى رسم صورة، فإنّ منها ما هو بدائي غفل، ومنها ما هو رائعٌ عجيب، وعلى هذا الأساس كان بعض النظم أسمى من بعض، والمعني الذي تنسب إليه المزية في النظم ليس المعنى الخام الغفل، بل المعنى المصوّر "هو صورة المعنى لا المعنى مجرّدًا من الصورة"(35). إنّ هذه الفكرة التي جعلها عبد القاهر أصلاً في أسرار البلاغة: "قريبة من فكرة قدامة في هيولى الشعر وصورته – وهي – بعينها فكرة ابن سينا أنّ العمل الشعري يكون في صورة المعاني لا في مادتها، ولن تراها بعد ذلك بعيدة عن فكرة أرسطو في أنّ الشعر محاكاة لأفعال أو محاكاة لمعانٍ؛ أي صورة ما تتشكّل بها الأفكار والمعاني"(36). فإذا نقلت الجملة العلمية الحقيقية نقلا مباشرًا، فإنّ الجملة الأدبية تشير إلى المعنى بطريقٍ غير مباشر، إنها ترسم صورة، وعلينا أن ننظر إلى تلك الصورة، ونتأملها، حتى تنقلنا إلى المعنى أو الموقف الذي يريد الشاعر أن يسوقه، فلماذا لا نذكر تلك الحقيقة المقصودة مباشرةً من دون الرجوع إلى التصوير؟ يرى الجرجاني أنّ الصورة التي توازي الحقيقة المقصودة إنما تكتسب قيمتها، لأنها تنقلنا من حالة الغموض إلى حالة الوضوح، فإذا كانت الحقيقة مكتنفة بجوٍّ من الغموض، فإن الصورة، وهي مادة مأخوذة من خبراتنا المألوفة، تزيل ذلك الغموض، كما يرى أن الإدراك الإنساني يقوم على التدرّج من المحسوس إلى المعقول: "أي مما ندركه بإحدى حواسنا من بصرٍ وسمع وغيرها، إلى ما ندركه بعقولنا وهو في حالةٍ من الفكر المجرّد"(37). إنّ الصورة بحسب هذا المفهوم "طريقة خاصة من طرق التعبير، أو وجه من أوجه الدلالة"(38) تنحصر قيمتها فيما تقدّمه لنا من معانٍ، لكنها لا تحدث أثرًا في طبيعة تلك المعاني، ولا تغيّر إلاّ من طريقة عرضها وكيفية تقديمها، وهي بذاتها: "لا يمكن أن تخلق معنى، بل إنها يمكن أن تحذف دون أن يتأثر الهيكل الذهني المجرّد للمعنى الذي تحسّنه وتزيّنه" (39).ولعل هذه النظرة إلى الصورة مرتبطة بنظرة عبد القاهر إلى اللغة بصفتها وعاءً محضًا للمعنى ، فلم يدرك أنّ الصورة شيءٌ أساسيّ لا يمكن الاستغناء عنه وحذفه ، وأنها وسيلة حتميّة لإدراك نوعٍ متميّز من الحقائق ، تعجز اللغة العاديّة عن إدراكه وتوصيله ، كما أنه لم يفطن إلى أن الصورة "قرينة الكشف والتعرّف على جوانب خفيّة من التجربة الإنسانية" (40).تتمثّل أهمية الصورة عند عبد القاهر في تلك القدرة على جذب انتباهنا إلى المعنى الذي تعرضه، فتجعلنا نتفاعل مع ذلك المعنى ونتأثّر به، إنّ هذا التصوّر النفعي المباشر للصورة جعل أنظار عبد القاهر تتجه إلى المتلقّي دون الفنان الخالق ، فنراه يتحدّث عن إثارة الصورة لانفعال المتلقي ، وتوجيه مواقفه بما يتماشى والأغراض الاجتماعية للشعر، لكنه لم يهمل البحث في طبيعته الحسّية للتصوير الشعري، وهو يقتصر في بحثه على الجوانب البصريّة فحسب، وبخاصة حين عرض للاستعارة والتشبيه ، وقد تبعت المقابلة بين الرسم والشعر هذا التصوّر، فقد جاء "الربط بين الجوانب الحسّية بالتصوير، والقدرة على نقل جزئيات العالم الخارجي ، وإعادة تمثيل مشاهده في ذهن المتلقّي، يرد إلى المبادئ العامة لنظرية المحاكاة بمفهومها الساذج، الذي جعل الفن بعامّة والأدب بخاصّة نقلاً أو نسخاً للطبيعة الخارجية"(41). لقد تجاوز عبد القاهر هذا المفهوم السائد عند النقّاد العرب القدامى ، وسلّم للشاعر: "بحقّه في إعادة تشكيل المدركات من صور فنيّة جديدة؛ ليست مدركة للحسي من قبل" (42)؛ أي إنّه كان يفضل تلك الصور التي تتشكّل في الخيال على تلك التي تلتزم بمدركات الواقع. إن تركيز عبد القاهر على الجانب البصري في التصوير الشعري جعله يلجأ في العديد من المواطن إلى المقابلة بين الشعر والرسم ، وقد تواردت على ذهنه خواطر متشابكة بين المعنى في النحو ، والمعنى في الزخرفة ، والمعنى في جماليات الشعر، وبعبارةٍ أخرى "شعر عبد القاهر بصلة غامضة بين هذه الجوانب"(43)، فمفهومه للصورة يتردّد بين الدلالة على الشكل والدلالة على التصوير الفنّي في مقابلته بين الصورة الشعرية والزخرفة في النسيج والتحبير على أنهما مبنيّتان على هذا الأساس ، فهو يقابل بينهما من ناحية الجمال الشكلي حينًا ، ومن ناحية إثارتهما للحواس والتخيّلات حينًا آخر. وشرح عبد القاهر في كتابه (دلائل الإعجاز) نظريته في النظم اعتمادًا على علوم اللغة، فنظر إلى الصورة على أنها أسلوبٌ في نظم الكلام فجاءت المقابلة بين هذه الصورة والصورة في الزخرف والنسيج مبنية على أساسٍ شكليّ ، حيث يقول:"ووجدت المعول على أنّ هاهنا نظمًا وترتيبًا وتأليفًا وتركيبًا وصياغة ونسجًا وتصويرًا وتحبيرًا"(44)، فالنظم لا يعني"ضمّ الشيء إلى الشيء كيف جاء واتّفق ، وكذلك كان عندهم نظيرًا للنسج والتأليف والصياغة والبناء والوشي والتحبير وما أشبه ذلك ، مما يوجب عدّ الأجزاء بعضها مع بعض حتى يكون لوضع كلّ حيث وضع علّة تقتضي كونه هناك، وحتى لو وضع في مكانٍ غيره لم يصلح"(45). ويواجهنا مصطلح التصوير في كتاب (أسرار البلاغة) بشكلٍ آخر: "وهو يحمل في جانبٍ من جوانبه فكرة تجسيم المعنوي وتمثيل الشيء في المخيلة، مما يجعل عبد القاهر يقارن بين التصويرات والتخييلات الشعرية وبين تصاوير الرسامين"(46). إنّ الانشغال بتوضيح تأثيرات الاستعارة والتمثيل والتشبيه قد دفع عبد القاهر إلى الحديث عن التصوير والتخييل، ومن "ثم بدأ مفهوم الصورة في الوضوح والبروز بأكثر مما جاء في دلائل الإعجاز"(47).فقد نظر عبد القاهر في الشبه بين طريقة الشاعر في تشكيل مادته وطريقة الرسام من زاوية حسن التأليف وبراعة المحاكاة ، فلاحظ أنهما يهدفان إلى إحداث التآلف والتناسب بين عناصر مادتيهما، فالشاعر يحدث التناسب والتآلف بين أحرفه وكلماته في القصيدة، أمّا الرّسام فيحقّق ذلك بين ألوانه على اللوحة، وهذا شبه مبنيٌّ على أساس شكلي، لكن عبد القاهر لم يقف عند هذا الحدّ، بل نظر كذلك في الشبه بين طريقتي الشاعر والرسّام من حيث قدرتهما على إثارة إحساسات وتخييلات المتلقي. فلاحظ " أنّ كلاًّ من الشاعر والرسّام، بطريقته الحسيّة في التقديم، ونجاحه في صياغة مادته، يمكن أن يحدث تأثيرًا خاصًا في نفوس المتلقين، ويمكن أن يوقع المحاكيات في أوهامهم وحواسهم بطريقة تجعلهم ينفعلون أشدّ الانفعال"(48) إنّ طريقة الشاعر والرسّام في نقل العالم وتقديمه للمتلقي تعتمد على مادة ذات صلةٍ بالحواس، تلك المادة التي تنبع من الإحساس، إحساس الشاعر والرسّام؛ لتخاطب الإحساس – إحساس المتلقّي – ومن هنا فإنهما "عند ما يقومان بفعل المحاكاة، سواء كانت لمعنوي مجرّد أو لمادّي محسوس، فإنما يخاطبان الإحساس والمخيلة، ويجسّمان الأشياء والأفكار في أشكالٍ محسوسة، يمكن رؤيتها إمّا عن طريق العين الباصرة – كما في حالة الرسّام – وإمّا عن طريق العقل أو المخيلة – كما في حالة الشاعر.."(49). إنّ عمل الشاعر والرسّام خاضعان لقوانين العالم الأساسية، "بل لعلة كشف وتكميل لها في الوقت نفسه"(50)، فهما حين ينقلان العالم في أشكالٍ فنيّة، لا يلتزمان بالحدود الظاهرية له، بل يتجاوزان تلك الحدود، ولكنّ هذا التجاوز لا يمسّ القوانين الأساسية للطبيعة، وهذه النظرة مرتبطة بفكرة الاحتمال والإمكان الأرسطية، فالشاعر أو الرسّام "قد ينقل الواقع أو يحاكيه كما هو، وقد ينقله أو يحاكيه بأقبح وأحسن من ما هو عليه، ولكنّ هذا الحسن أو القبح ليس مسخًا وتشويهًا للعالم أو قوانينه، وإنّما هو أمرٌ يمكن حدوثه أو يحتمل حدوثه"(51). لقد ظهرت المقابلة بين الشعر والرسم إذًا في بيئة الفلاسفة من شرّاح أرسطو وفي بيئة النقاد الذين كانوا على اتصال بهؤلاء الفلاسفة، وكانت هذه المقابلة تؤكّد على الخصائص البصرية والوضوح في عملية التصوير، ومن ثمّ " قيل إنّ الشعر – بما يقوم عليه من تخييل – يمثّل لمخيلة المتلقّي مشاهد بصرية واضحة، وإنّ أفضل الوصف الشعري ما قلب السمع بصرًا، وجعل المتلقّي يتمثّل مشهدًا منظورًا كأنّه يراه ويعاينه"(52)، فتأكيد الجوانب الحسية في عملية التصوير – والنمط البصري منها خاصّة – راجعٌ أساسًا إلى التأثّر بنظرة أرسطو التي "تترتب على الحواس ترتيبًا طبقيًا، ينتهي إلى أنّ حاسّة البصر هي أشرف الحواس"(53)، وقد ترتب على هذه النظرة "أن أصبح نمط الخيال الذي يعرفه مترجمو أرسطو وشُرّاحه من العرب هو النمط البصري، الذي يلحّ على تجميع الصور البصرية وتركيبها دون أن يكون ثمّة تركيز مقابل على الصور الشمسية أو الذوقية أو غيرها"(54). إنّ هذه النظرة إلى الخيال أدّت إلى الخلط بين الصورة واللوحة بصفتهما تقدّمان صورًا بصرية أساسًا، ومن الطبيعي "أن تتجاهل هذه النظرة الإحساسات المتنوّعة التي تتداخل وتشارك في تشكيل مادة التصوير الشعري، ذلك أنّ مثل هذه الإحساسات لا بدّ أن تضيع عند الإلحاح على (المقارنة) بين الشعر والرسم، وما يتبع ذلك من تضخيم الدور الذي تلعبه الإحساسات البصرية، واستبعاد كلّ ما عداها أوتجاهلها، وفي هذا تضييقٌ للقدرات المتنوعة التي ينطوي عليها التصوير الشعري"(55). تهمل هذه النظرة إذًا العناية بخيال الفنان المبدع، وتحصر عمله في نقل جزئيات العالم الخارجي في شكل صورٍ فنيّة، تعيد تمثيل مشاهد الواقع في ذهن المتلقّي، أي إنّ خيال الفنّان ما هو إلاّ تقديم الصور الحقيقية البصرية خاصة، ولم يفهم النقّاد القدماء عمومًا أنّ الأصل في العمل الإبداعي هو الفنان الخالق قبل المتلقّي، لذلك راح عبد القاهر يتحدّث في أكثر من موضع من كتابه (أسرار البلاغة) عن المتلقّي وما تثيره في خياله وإحساساته تلك الصور، التي تقدّم إليه في الشعر أو الرسم، ولعلّ تأكيده على الاستعارة والتشبيه والتمثيل راجعٌ إلى قدرة هذه الصور على إثارة خيال المتلقي، فالخيال إذًا "طريقة خاصّة في مخاطبة المخيلة، تعتمد على أن ترسم فيها صورًا ذهنية ذات خصائص حسيّة" (56). فقد كان عبد القاهر متأثّرًا في هذه النظرة بمقولات الفلاسفة، لكنه في الواقع العملي؛ أي حين عرض للاستعارة والتشبيه بالدرس، اكتشف أنّ التخييل ليس طريقة خاصّة في مخاطبة مخيلة المتلقّي وإثارتها بالصور الحسيّة فقط، بل قدرة ذهنية تجعل الشاعر ينظر إلى أبعد مما ينظر سواه، ويكشف علاقات لم يفطن لها غيره، فالشاعر:"إنسانٌ متخيّل، والتخيّل قدرةُ ذهنية إذا عملت في رعاية عقلٍ مفرط الذكاء، دائم الوعي والجهد، انتهى صاحبها إلى ما لم ينته إليه سواه، فيتوصّل إلى إدراك اتّساق العناصر، ويكشف عن الاتفاق الكامن بين الأشياء، ومن ثمّ تتوافق الأنواع المختلفة وتتآلف الأجناس البعيدة"(57). [color="darkred[center]"]{ الحواشي} 29 – الصورة الفنية: 341. 30 – دلائل الإعجاز: 195. 31 – المرجع السابق: 1. 32 – المرجع السابق: 269. 33 – المرجع السابق: 269. 34 – نظرية عبد القاهر في النظم: 73. 35 – المرجع السابق: 74. 36 – مقدمة في الشعر: 240. 37 – المعقول واللا معقول:254. 38 – الصورة الفنية: 392. 39 – المرجع السابق: 393. 40 – المرجع السابق:464 . 41 – المرجع السابق: 370. 42 – المرجع السابق:68. 43 – نظرية المعنى:310. 44 – دلائل الإعجاز: 26. 45 – المرجع السابق: 33. 46 – الصورة الفنية: 342. 47 – المرجع السابق:342. 48 – المرجع السابق : 341. 49 – المرجع السابق: 345. 50 – المرجع السابق:344. 51 – المرجع السابق:344. 52 – المرجع السابق:371. 53 – المرجع السابق: 376. 54 – المرجع السابق: 376. 55 – المرجع السابق: 371. 56 – المرجع السابق: .346. 57 – المرجع السابق: 226[/center][/color] |
| | |
| | [7 (permalink)] | ||||||||||||
| مشاهد جديد ![]() | | ||||||||||||
| | |
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | |
| |
المواضيع المتشابهه للموضوع: نظرية النظم عند عبد القاهر الجرجاني | ||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| نظرية الألعاب! | Siyam | مشهد الموسوعة السياسية | 0 | 2008-09-Thu 07:57 AM |
| | | | |
اشترك في نشرة منتديات المشهد الموريتاني
المشاركات المنشورة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تتحمل ادارة الموقع اية مسؤولية تجاهها